يسرائيل هيوم
“لا جدوى من البقاء بهذا الشكل في لبنان”، هكذا يقول قادة ميدانيون كبار في الأيام الأخيرة.
إلى جانب التحديات العملياتية المعقدة، لا يمكن تجاهل أزمة القوى البشرية الخطيرة. ومع مرور الوقت، يزداد عدد كبار الضباط في الجيش الذين يدركون أنه لا يمكن الاستمرار في إبقاء هذا العدد الكبير من جنود الاحتياط في الخدمة لفترة طويلة.
مرّ أكثر من شهر بقليل منذ دخول ما يُسمى — “وقف إطلاق النار” بين إسرائيل وحزب الله، والذي يصفه الجيش بأنه غير دقيق — حيز التنفيذ، ومع ذلك تتزايد علامات الاستفهام داخل الجيش الإسرائيلي حول جدوى البقاء في الشريط الأمني بجنوب لبنان، بينما أيدي الجيش “مقيدة خلف ظهره”، والجنود والقادة يواصلون القتل والإصابة من دون هدف واضح.
“لا توجد أي غاية من البقاء بهذا الشكل في لبنان”، يقول قادة ميدانيون كبار في الأيام الأخيرة.
“القوات تواصل تدمير المباني في جنوب لبنان، لكن فعلياً، الجيش لا يحقق إنجازات في هذه المعركة بالشكل الذي تُدار به حالياً. قادة الألوية لا يفهمون ما المطلوب منهم — لا يفهمون إن كان هناك وقف إطلاق نار فعلاً، وإن كنا نريده أصلاً، أم نريد له أن يفشل. على الأرض لا يوجد وقف إطلاق نار، لكن لا يمكن تشغيل كل القدرات”.
ضابط كبير آخر يقود قوات في لبنان قال لمقربين منه:
“نحن نفعل كل شيء لضربهم بأقصى ما يمكن، لكن للأسف هم لا يتلقون ضربات كافية”.
ويتحدث مسؤولون كبار آخرون في الجيش عن “ورطة” أو “مأزق”، ويقولون إنهم من جهة لا يُسمح لهم بالتقدم وتُقيّد أيديهم في القتال، ومن جهة أخرى لا يُتخذ قرار الانسحاب، لأن معنى ذلك سيكون الاعتراف بالهزيمة.
ويضاف إلى ذلك أيضاً انتقادات حادة لما جرى في لبنان خلال عملية “سهام الشمال”. إذ يتضح الآن أن الجيش الإسرائيلي لم يكن موجوداً في مناطق كثيرة بجنوب لبنان، رغم الانطباع الذي تكوّن لدى الجمهور، وكذلك خلال الفترة التي تلت العملية.
فمنذ نهاية “سهام الشمال” في نوفمبر 2024 وحتى بداية عملية “زئير الأسد” في فبراير الماضي، عمل الجيش الإسرائيلي بحرية نسبية في أنحاء لبنان من دون رد فعل من حزب الله.
ورغم أن الجيش كرر القول إن وتيرة إعادة بناء حزب الله لقدراته كانت أسرع من وتيرة تدمير تلك القدرات، يبدو أن حجم سرعة إعادة التأهيل لم يكن مفهوماً بالكامل قبل المواجهة الحالية. فقد استغل حزب الله الوقت جيداً للاستعداد بصواريخ مضادة للدروع، وقذائف هاون، وطائرات مسيّرة، وخاصة المسيّرات العاملة بالألياف البصرية التي تشكل تحدياً كبيراً للجيش وتتسبب له بخسائر كثيرة.
إلى جانب التحديات العملياتية المعقدة، هناك أيضاً أزمة حادة في القوى البشرية تعيق الجيش بشكل كبير عن تنفيذ المهام الكثيرة الملقاة عليه في مختلف الجبهات، ومنها لبنان.
وللتوضيح فقط، وبناءً على تعليمات المستوى السياسي، يستعد الجيش حالياً للبقاء لفترة طويلة في جنوب لبنان، وإنشاء عشرات المواقع العسكرية هناك. لكن إضافة إلى عدم وجود ميزانية لبناء هذه المواقع، لا توجد أيضاً قوى بشرية لتشغيلها على المدى الطويل.
أزمة القوى البشرية لا تقتصر على جنود الخدمة الإلزامية، بل تشمل أيضاً العسكريين الدائمين وجنود الاحتياط. وحتى الآن يخدم في الجيش نحو 90 ألف جندي احتياط، أي أكثر من ضعف العدد المخطط له أصلاً لعام 2026.
وزارة المالية تشتكي من ذلك، كما كشف التقرير في بداية الأسبوع، لكن وفقاً لقيادة الجيش، ما دام المستوى السياسي لا يقلص المهام الملقاة على الجيش في مختلف الجبهات — من الحفاظ على شريط أمني في لبنان وغزة وسوريا، وحماية عشرات المستوطنات الجديدة والقديمة في الضفة الغربية، والدفاع عن الحدود الشرقية، والحفاظ على الجاهزية تجاه إيران — فلا يمكن تقليص هذا العدد الضخم، وبالتأكيد ليس بشكل كبير.
المشكلة أن مرور الوقت يجعل عدداً متزايداً من كبار الضباط يدركون أنه لا يمكن الاستمرار في إبقاء هذا الكم من قوات الاحتياط بالخدمة لفترة طويلة.
ويقول ضباط كبار إن جنود الاحتياط بدأوا يفقدون الثقة بقيادة الجيش، التي لم تنجح بعد عامين ونصف من القتال في تحقيق حسم واضح وملموس في أي من الجبهات.
وعندما يتحدث رئيس الأركان زمير عن أن الجيش “سينهار إلى داخل نفسه”، فهو يقصد ذلك حرفياً: أن الجيش لن يكون قادراً على الاستمرار بهذا الشكل مع استمرار المستوى السياسي بإضافة المزيد من المهام، من دون توفير الموارد اللازمة — لا من ناحية القوى البشرية ولا من ناحية الميزانية.
لكن المستوى السياسي، لأسبابه الخاصة — هناك من يراها مهنية وهناك من يراها غير ذلك — لا يريد حتى الآن تقليص حجم القوات في أي جبهة، وفي الوقت نفسه لا يتحرك بجدية لتجنيد فئات سكانية إضافية إلى الجيش من أجل تخفيف العبء عن قوات الاحتياط.
وخلال حديثه أمس مع قادة الفرق العسكرية، تطرق رئيس الأركان زمير إلى ذلك قائلاً:
“من أجل تنفيذ جميع المهام وتقليص العبء غير المعقول عن جنود الاحتياط، نحن بحاجة إلى توسيع دائرة الخدمة العسكرية. هذه مسألة جوهرية وحاسمة لقدرة الجيش العملياتية.